فخر الدين الرازي
200
تفسير الرازي
في الخير والشر ، وقيل في معنى : * ( قدرنا ) * كتبنا . قال الزجاج : دبرنا . وقيل : قضينا ، والكل متقارب . المسألة الثانية : قرأ أبو بكر عن عاصم * ( قدرنا ) * بتخفيف الدال ههنا وفي النمل . وقرى الباقون فيهما بالتشديد . قال الواحدي يقال : قدرت الشيء وقدرته ، ومنه قراءة ابن كثير : * ( نحن قدرنا بينكم الموت ) * ( الواقعة : 60 ) خفيفاً ، وقراءة الكسائي : * ( والذي قدر فهدى ) * ثم قال : والمشددة في هذا المعنى أكثر استعمالاً لقوله تعالى ؛ * ( وقدر فيها أقواتها ) * ( فصلت : 10 ) وقوله : * ( وخلق كل شيء فقدره تقديراً ) * . المسألة الثالثة : لقائل أن يقول : لم أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مع أنه لله تعالى ، ولم لم يقولوا : قدر الله تعالى ؟ والجواب : إنما ذكروا هذه العبارة لما لهم من القرب والاختصاص بالله تعالى كما يقول خاصة الملك دبرنا كذا وأمرنا بكذا والمدبر والآمر هو الملك لا هم ، وإنما يريدون بذكر هذا الكلام إظهار ما لهم من الاختصاص بذلك الملك ، فكذا ههنا والله أعلم . المسألة الرابعة : قوله ؛ * ( إنها لمن الغابرين ) * في موضع مفعول التقدير قضينا أنها تتخلف وتبقى مع من يبقى حتى تهلك كما يهلكون . ولا تكون ممن يبقى مع لوط فتصل إلى النجاة والله أعلم . * ( فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَآتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) * اعلم أن الملائكة لما بشروا إبراهيم بالولد وأخبروه بأنهم مرسلون لعذاب قوم مجرمين ذهبوا بعد ذلك إلى لوط وإلى آله ، وأن لوط وقومه ما عرفوا أنهم ملائكة الله ، فلهذا قال لهم : * ( إنكم قوم منكرون ) * وفي تأويله وجوه : الأول : أنه إنما وصفهم بأنهم منكرون ، لأنه عليه الصلاة والسلام ما عرفهم ، فلما هجموا عليه استنكر منهم ذلك وخاف أنهم دخلوا عليه لأجل شر يوصلونه إليه ، فقال هذه الكلمة . والثاني : أنهم كانوا شباباً مرداً حسان الوجوه ، فخاف أن يهجم قومه عليه بسبب طلبهم فقال هذه الكلمة . والثالث : أن النكرة ضد المعرفة فقوله : * ( إنكم قوم منكرون ) * أي لا أعرفكم ، ولا أعرف أنكم من أي الأقوام ، ولأي غرض دخلتم علي ، فعند هذه الكلمة قالت الملائكة ، بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ، أي بالعذاب الذي كانوا يشكون في نزوله ، ثم أكدوا